دين النبي "ص" ألائتلاف لا ألاختلاف

29/07/2010 20:04

قد يبدوا بادئ الرأي عنواناً عادياً وطبيعياً قد لا يُعار له السمع كثيراً لأنه من البداهة أن دين الإسلام هو دين ائتلاف لا دين اختلاف, هذا في النظر البدائي لأن الفكر إذا عرض عليه شيء تكون له نظرتان, نظرة أولى كما في القرآن (بَادِيَ الرَّأْيِ)(هود: من الآية27) يعني في النظر الأول للفكر, وفي هذه النظرة الفكر لا يتعمق في القضية وإنما ينظر في ظاهرها, بعد ذلك يرجع الفكر ليتحرك حركةً أُخرى فيغوص في الأعمق ويُحلق في الآفاق للفكرة التي تُعرض عليه أو للقضية التي تُعرض عليه فينكشف لديه أمور أخرى غير ما كانت مخفيةً عليه في المرة الأولى, إذاً, فِكرُ كل أحد له نظرتان, ولذى من الوصية لكل مؤمن إذا عُرض عليه شيء و بدئ له من ذلك الشيء في فكره أمرٌ لا ينبغي أن يتسرع ويحكم في الأمور ولذى أُمرنا بالتروي وبالتدبر في الأمور خصوصاً على المستوى القضائي فالقاضي مثلاً والحاكم لابد له من التحقيق والتدقيق في القضايا التي بين يديه لألا يتجاوز عن الحق والحقيقة.

الغرض من الائتلاف هنا ائتلاف بالنسبة إلى الأمور الكونية وائتلاف بالنسبة إلى الأمور القانونية أو الشرعية, بمعني أن الإسلام الذي جاء به سيد الأنام صلى الله عليه وآله وسلم فيه إئتلافان, أي يجب علينا أن ننظر إلى الكون كله لنرى هل أن هناك إئتلافاً ثم بعد ذلك ندقق النظر فنجد تشريعات النبي صلى الله عليه وآله وسلم المنبثقة من الكتاب والسنة كلها أيضاً تدعو إلى الإئتلاف, فإذن ما هو الإئتلاف الكوني الذي دعى إليه الإسلام؟.
الإسلام يريد من كل أحد أن ينظر إلى هذا الكون ليرى منه إئتلافاً لا اختلافا على العكس من الفكر الجاهلي الذي سبق الإسلام, فالفكر الجاهلي فكرٌ وثني والفكر الوثني محدود ليس فيه عمق فكان أهل الجاهلية ينظرون إلى الكون بما فيه من المفردات والظواهر فلا يرون فيها اتفاقا, يرون شمساً وقمراً وسماءاً وسحاباً ومطراً ورعداً وبرقاً وأرضاً وشجراً وحيواناً وما إلى ذلك ولكنهم كانوا ينظرون إلى هذا نظرةً سريعة ولا يجدون أن هناك رابطاً يربط هذا الكون, هذا هو الفكر الجاهلي, أما الفكر الإسلامي فعلى العكس من ذلك, يرى هذا الكون بما فيه من المفردات مع اختلافها أن فيها ائتلاف واتفاق. إذاً عرفنا أن الفكر الجاهلي يفرق عن الفكر الإسلامي بأن الفكر الإسلامي ينظر إلى هذا الكون بما فيه من الظواهر بنظرائتلافي.
من أي دليل وبأي دليل؟, الدليل الأول مأخوذ من الدرس الأول الذي تلقاه نبينا صلى الله عليه وآله وسلم حينما فوجئ عند خروجه من غار حِراء بأنه لا يرى إلا شخصاً واحداً, رأى الملك جبرائيل عليه السلام قد أخذ كل السماء بهيكله وهو يدنو منه ثم يتأخر, يقترب ويبتعد ويقول له: "أقرأ", هنا جاء الجواب من نبينا العظيم: "ما أقرأ؟" _ هذا حديثٌ أصح من الحديث الذي يُقال أنه قال: "ما أنا بقراىء"_, كلمة ما أقرأ ليس معناها النفي, (ما) ليست نافية وإنما هي استفهامية, يعني ماذا أقرأ لأنه لا يصح أن نجعلها نافية, لماذا؟, لأنه ليس هناك كتابٌ أو صحيفةٌ قدمها المَلكُ للنبي العظيم صلى الله عليه وآله وسلم وأمره بقراءتها حتى يصح الجواب بأني لا أقرأ!, لم يكن هناك أي كتاب قدمه جبرائيل عليه السلام لنبينا صلى الله عليه وآله وسلم وأمره بأن يقرأه حتى ينفي القراءة عن نفسه, إذن )ما أقرأ) يعني (ماذا أقرأ؟), أنت تقول أقرأ وأنا لا أرى شيئاً أمامي أقرأه, ما أقرأ؟, فقد كان في خلدِ النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن القراءة كانت قراءةً تدوينية إلا أن المَلَكَ كان يأمره بأن يقرأ هذا الكون, يقرأ كتاب الله التكويني فالله له كتابان, كتابٌ تكويني وهو هذا الكون وكتابٌ تدويني وهو الكتب التي أُنزلت على الأنبياء والمهيمن على هذه الكُتب جميعها القرآن العزيز, هذا الكتاب التكويني فيه صفحاتٌ وفي الصفحات كلماتٌ وفي الكلماتِ حروف, أقرأ يعني أقرأ هذا الكون, ومعنى أقرأ يعني ماذا؟, إذا راجعنا اللغة العربية وجدنا أن مادة قرأ يقرأُ تدل على الجَمع, قرأَ يَقّرأُ أي جَمَعَ يَجّمَعُ, ومن هذا اشتقت القراءة لأن إذا قرأت الكتاب فقد جمعت حروفه ولولا جمعك للحروف ولما استطعت قراءته, إذن فالقراءة في الأصل معناها الجمع ومنه جاء القُرء كما قال سبحانه وتعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ)(البقرة: من الآية228) أي ثلاثة حيضات, والحيض سمي قرءاً لتجمعه في الرحم, طبعاً هنا الفقهاء قالوا القرء هو الحيض وقال بعضهم هو الطُهر من الحيض, وعند المراجعة للكتب اللغوية نجد أن القرء عند الحجازيين معناه الحيض وعند غير الحجازيين كبني تميم فيُقصد من الطهر من الحيض والقرآن نزل على لغة الحجاز, إذاً فالقرء هنا بمعنى الجمع, يعني أن الدم المُعين قد جُمِعَ في المكان المُعين, ونعود فنقول أن القراءة معناها الجمع فيقول المَلَك لسيدنا صلى الله عليه وآله وسلم أنك أجمع هذا الكون, لا يكون نظراً جاهلياً _حاشاه من ذلك!, لأنهم كانوا ينظرون إلى هذا الكون بما فيه من الظواهر ولا يجمعون بينها_, أُنظر إليها برابطٍ يربطها, وما هو هذا الرابط؟, هو رابط التوحيد ويعني النظر إلى الخالق الذي أوجدها, إلى الصانع الذي صنعها فالصانع سبحانه الذي أوجدها هو الرابط الذي يربطها فما خُلقت سُدى وما خُلقت متفرقاتٍ بل كُل كوكبٍ وكل مخلوقٍ في هذا الكون يسير في هدفٍ مُعَين ويسير نحو رسالةٍ معينة هذه الرسالة أملاها في الأزل والتكوين خالق هذا الكون سبحانه وتعالى فالجميع مُسَيرٌ بأمره فهو مُجتَمِعٌ فعليك قراءته _أي جَمعَهُ_ على منوال التوحيد بدليل أن الآية هكذا تقول: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) (العلق:1) وهذه الآية تنسفُ العقيدة الوثنية نسفا, لماذا؟, لأن العقيدة الوثنية حتى لو أقرت برب الأرباب سبحانه وتعالى فعندها نظريةٌ فكرية تقول أن رب الأرباب جل جلاله وهو الله غيرُ معروفٍ لدينا ولا يُمكن الإحاطة به, لا يُمكن لأحدٍ من المخلوقات أن يعرف الله حق معرفته والعبادة فرع المعرفة, إذاً فإذا كان الله لا يُعرف فهو لا يُعبد, والله تعالى يعلم ذلك, أن خَلقَهُ لا يستطيعون معرفته فهم لا يستطيعون عبادته وبناءاً على هذا خلق الله تعالى أرباباً أُخرى غيره, هذا الفكر الجاهلي, الفكر الوثني وما زال هذا الفكر موجوداً حتى الآن عند الوثنيين, الله تعالى خلقَ أرباباً لأجل أن يُعبدوا لأنه سبحانه وتعالى لا يُمكن أن يُعبد لأن عبادته فرعُ معرفته وبما أننا لا يُمكننا أن نعرفه إذاً لا يُمكننا أن نعرفه وهو تعالى عَلِمَ ذلك فخلق أرباباً وهذه الأرباب قابلة للعبادة وهي التي تُدبرُ الكون, فهناك ربٌ للحرب وهناك ربٌ للحُب وهناك ربٌ للمطر وهناك ربٌ للشجر وما إلى ذلك وهذه الأرباب موجودةٌ في السماء وهو التي تُدبر الكون وتُربيه, وبما أن الإنسان لا يستطيع الوصول إلى هذه الأرباب فخلق لها تماثيل تُمثلُ تلك الأرباب في السماوات, فالأوثان والأصنام هي تماثيل تُمثلُ الأرباب الموجودة في السماء وهي التي تُدبر الأمور!, هذا هو الفِكر الوثني منذ أن بدأت الوثنية في زمن نوحٍ عليه السلام إلى هذا اليوم.
الآية الكريمة نسفت هذا الفكر (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) (العلق:1), فالربُ الذي يُربي الكون هو الخالق الذي خلق هذا الكون من دون احتياج إلى وجود أربابٌ أخرى تُدبر هذا الكون, فالله سبحانه وتعالى هو الخالق للكون وهو الذي يُعبد وهو الذي يُدَبر, فهو ربٌ وهو إله, إله يتمثل بالعظمة والجبروت وربٌ يتمثل بالتربية وبالرحمة وبالعطف على عباده, هذه الآية على صِغرها لقنت نبينا درسه الأول في الشريعة المحمدية بأن يقرأ هذا الكون ويجمعه على التوحيد, على وجود إلهٍ واحدٍ هو خالق هذا الكون وهو المُدبر لهذا الكون, والإنسان أيضاً خُصصَ بقوله تعالى: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) (العلق:1) أي خَلَقَ الكون مطلقاً, جميع ما في الكون خلقه, (خَلَقَ الإنسان مِنْ عَلَقٍ) (العلق:2), خصص خِلقةَ الإنسان لأن الإنسان خلقه الله سبحانه وتعالى في الأرض_ (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً )(البقرة: من الآية30)_, وثانياً, الإنسان سيد الطبيعة كما يقولون أي أنه المخلوق المُزود بالوعي والوعي هو الذي يكون السبب في تطور هذا المخلوق على العكس من غيره من المخلوقات الأُخرى ولذى خُصص بالخلق وحده دون العالم كله (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإنسان مِنْ عَلَقٍ), بالإضافة إلى أن الإنسان هو الخلاصة لهذا الكون كله وهو مَجمعُ عدا الكون كُله كما أشار أمير المؤمنين علي عليه السلام بالشِعر المنسوب إليه مخاطباً بني آدم ويقول له:
أتحسبُ أنكَ جِرمٌ صغير • وفيكَ أنطوى العالمُ الأكبرُ
العالم الأكبر كله منطوٍ في ذات الإنسان, والوقت لا يسعد إلى شرح ذلك, هو بيتٌ واحد ولكن فيه من العلوم ما شاء الله لأن كل ما في العوالم موجودٌ في الإنسان سواءٌ أكان في جسده أم في روحه, وروحه باعتبار أنها نزلت من الصِقع الربوبي فهي جامعةٌ لكل الموجودات بإذن الله سبحانه وتعالى, (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ) هذه الآيات لا نستعرض لها لأنها تُخرجنا عن الموضوع الذي أردنا بحثه هذه الليلة بخدمتكم.

إذن فماذا يجب على الإنسان؟, بعد هذا الدرس يجب عليه أن يكون كسائر المخلوقات الإلهية فبما أن هذا العالَم مرتبطٌ بسلكٍ واحدٍ على اختلاف ظواهره لكنه كله يجتمع بسلك التوحيد, التوحيد, الله سبحانه وتعالى واحد فخلقُهُ واحد, هذا الكون كله واحد وكله متحد وكله مرتبط وكل ظاهرة من ظواهره ومفردة من مفرداته تعمل وفق نظامٍ لا يتغير ولا يختلف مع المفردة الأخرى ولذى تسمع القرآن يقول: (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ) (يّـس:38-39), هذا من النظام وهذا النظام لا يختلف على الإطلاق لان الهدف واحد والمُدَبر واحد والمُدير له واحد ,(لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) (يّـس:40), في فَلك القدرة, في نظام الإله, في توحيد هذا الكون وأنت أيها الإنسان احد مفردات هذا الكون ولا يصح لك أن تشذ أو أن تشُطَ عن هذا النظام, يجب أن تكون متحداً مع هذا النظام الكوني فبما أن النظام الكوني لا يختلف فعليك أن لا تختلف, وبما أن هذا النظام الكوني لا يُمكن أن يتخلف عن أمر الله فعليك أنت أن لا تتخلف عن أمر الله لتكون واحداً من هذه الموجودات غير شاذٍ عنها, هذا بالنسبة إلى ربط الإنسان بالكون.

وأما بالنسبة إلى الإنسان مع الإنسان فيجب عليه _على كل إنسان_ أن يتحد مع أخيه الإنسان لأن الإنسانية واحدة على اختلاف أفراد الإنسان, الله سبحانه وتعال ينظر إلى الإنسانية نظراً وحداً والآيات الكريمة تدل على ذلك, القرآن الكريم ماذا يقول؟ (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) (الأنبياء:92), (إن هذه أمتكم) أي الإنسانية جمعاء, أيها المسلمون أنتم مع جميع الناس تُشكلون كتلة واحدة, (إن هذه..), هذه البشرية وهذه الإنسانية في مشارق الأرض ومغاربها, (إن هذه أمتكم), إذاً ليس المقصود هنا الأمة الإسلامية ولا الأمة غير الإسلامية بل الأمة البشرية الإنسانية, (إن هذه أمتكم أمة واحدة) حالها أن تكون واحدة, أن تكون متحدة, أن تكون متعاونة فيما بعضها لأن الله سبحانه وتعالى خلقها لأجل ذلك, (إن هذه أمتكم _انتهت الجملة_, أمة واحدة) يعني حالها يلزم أن تكون متحدة, (وأنا ربكم), يجب أن تخضع هذه الأمة البشرية إلى ربها فهو الذي يربيها وهو الذي يوصلها إلى كمالها لأن التربية معناها إيصال الشيء إلى غاية كماله, هذا معنى التربية, والله لم يقل (وأنا إلهكم) قال (وأنا ربكم) إشارةً إلى أن تربية هذه الأمة البشرية بيد المولى سبحانه وتعالى, هي لا تستطيع أن تربي نفسها بنفسها بما تملك من الغرائز المضادة للتربية, إذنً فتكفل المولى جل جلاله بأن يربي هذه الأمة البشرية, هو الذي يربيها وعليها أن تخضع له وتعبده, (وأنا ربكم فاعبدون), إذاً فالأمة البشرية واحدة, والأمة الإسلامية مندمجة مع الأمة البشرية ويلزم أم تكون الحالة متحدة مع البشرية أجمعين ويلزم أن تلتفت الأمة البشرية إلى أن خالقاً خلقها وهو المتعهد بتربيتها وأنا ربكم وعلى الأمة البشرية أن تعبد هذا الرب, (فاعبدون).

إذن فالأمة تُشكل وَحدة, عقيدتها تُشكل وَحدة, (وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ)(الأنبياء: من الآية92), فالعبادة لا تتأتا ولا تتيسر ولا تتحقق ولا تصح إلا لمن ربى هذه الأمة, الأمة البشرية, وما رباها إلا لأنه ربُها الذي خلقها وعُني سبحانه وتعالى عن هذا اللفظ بتربيتها, وفي آية أخرى نفس الآية تقول: (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ) (المؤمنون:52) تُشير إلى إعمال هذه الفكرة أي إلى تطبيق القوانين الإسلامية, القوانين السماوية التي أُنزلت من قِبل الله على الأنبياء لينشرها النبيون إلى أممهم وخُتمت وهُيمن عليها برسالة الإسلام يلزم أن تُطبق الشريعة لا أن يعتقد الإنسان بالعقيدة الإسلامية ثم يكتفي كما هو عليه الكثير من النصارى حيث أنهم يعتقدون بالدين ولكنهم لا يطبقون الدين ولا يلتفتون إلى الأحكام, الله يريد من الناس أن يعتقدوا وأن يعملوا, يعني يلزم أن تكون لديهم الحكمتان, الحكمة النظرية الفكرية بأنهم مخلوقون بخالق واحد فعليهم أن يكونوا كتلةً واحدة وعليهم أن يُعملوا ويطبقوا هذه الأمور ولا يمكن التطبيق إلا بإنزال شريعةٍ من السماء يلزم عليهم تطبيقها وهذا هو الذي حدث وجرى بان الله سبحانه وتعالى أول ما أرسل نبيه العظيم صلى الله عليه وآله وسلم بالتوحيد, أرسله بالتوحيد والمعاد وأرسله بالنبوة, هذه الأصول الثلاثة ركزت عليها الآيات المكية تركيزاً مهماً ولكن بعد ذلك _بعد أن تغلغل هذا الفكر في أعماق المسلمين_ أُمروا بأن يطبقوه بطريقة صلاةٍ وصيامٍ وحجٍ وزكاة, (وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ)(المؤمنون: من الآية)

إذن الإئتلاف الذي أردنا بحثه اليوم أن الإسلام يريد منا فكراً ائتلافيا, بأن ننظر إلى هذا الكون ونخرج بمحصلةٍ عظيمة هي هذا الكون واحد وأن الذي خلقه واحد وأن الأمة البشرية ضمن هذا الكون وعليها على اختلاف أصنافها أن تكون كتلة واحدة وأن تدين إلى ربها وأن تُطيق أحكام ربها, وبتطيق الأحكام الإلهية تكون هناك الائتلافات, الإئتلاف الإسلامي الذي دعى إليه المولى سبحانه وتعالى بين المسلمين لان الإئتلاف إذا ذهب جاء ضده وهو الاختلاف والاختلاف ضد الدين, فما ورد من القول المنسوب إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "اختلاف أمتي رحمة" فيه وجهة نظر لأنه _هذا الحديث_ مخالفٌ لكثيرٍ من الآيات التي تأمر بعدم الاختلاف وتأمر بالاتفاق وتأمر بعدم التفرقة فحينئذٍ هذا الحديث إما أن يوجه توجيهاً آخر وإما أن نطرحه ولا ننظر إليه لأنه مخالفٌ إلى صريح القرآن العزيز, الله سبحانه وتعالى خلق الناس من أجل الإتحاد لا من أجل الافتراق, للوفاق لا للشقاق ولا للنفاق, نقرأ الآية: (وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا )(يونس: من الآية19), إذاً فالله خلق الناس أمةً واحدة وما طلب منهم الخلاف, هم الذي اختلفوا, (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً)(البقرة: من الآية213) وليس فيها (فاختلفوا) لأن الآية الأخرى توضح أن لـ(فاختلفوا) وجوه, ثم ماذا؟, (فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ )(البقرة: من الآية213), أي الكتاب هو الذي يحكم, يعني القانون الإلهي, لماذا يحكم وبأي شيء وفي أي شي؟ (لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ)(البقرة: من الآية213), إذنً فالاختلاف من الناس والله تعالى ما أراد من الناس الاختلاف ولكن لمّا اختلفوا أرسل إليهم الرسل مبشرين بفوائد الإنتفاق والائتلاف ومنذرين عن الأمور التي تدعوا إلى الاختلاف, وأنزل معهم الكتاب ليكون معهم قانوناً وهو الذي يحكم فالنبي يُشكل السلطة التنفيذية والكتاب الإلهي يُمثل السلطة التشريعية _أو الشرعية_ فيما اختلفوا فيه.
وهنا سؤال: لماذا اختلفوا وما هي الأسباب الداعي إلى الاختلاف؟, قالت الآية: (وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ )(البقرة: من الآية213), آياتٌ كثيرة تقول إن سبب الاختلاف هم العلماء الذين لم يطبقوا علمهم, العلم جاء بكتاب الله يدعو إلى التوافق, يدعو إلى الوحدة, يدعو إلى عدم الإختلاف ولكن العالِمَ إذا لم يُطبق عِلمه وتسربت إليه المحبة للدُنيا أو للجاه أو الإقبال والقبول بين الناس, أحدث الفتنة والفرقة لأجل التكتل من اجل الانتفاع, هكذا تقول الآية الكريمة: (وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ _يعني الذين أوتوا الكتاب, يعني العلماء_مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ)(البقرة: من الآية213) أي مخالفةً للكتاب, مخالفةً للقانون, لم يطبقوا القانون الذي يدعو إلى الوحدة وإنما انشقوا بسبب ما عندهم من البغي.
الإسلام حذر من هذا الإختلاف وقال في آيةٍ أخرى: (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ )(آل عمران: من الآية105), البينات الواضحات تدعو إلى الوحدة والإتحاد, فإذاً هنا نعرف أن السبب في هذا الإختلاف هو عدم تطبيق ما في الكتاب, ولذى نسأل أنفسنا سؤالاً: الأمة الإسلامية قد اختلفت, قادة الإختلاف من هم؟, قادة الإختلاف هم أئمة المذاهب!, هذا مذهبه فلان وهذا يُكفر فلاناً وهذا يؤيد فلانا, أليس صحيح؟, إذن فالآية اتضحت, أن سبب الإختلاف ليس للتجارة, سبب الإختلاف ليس للسيادة, سبب الإختلاف هو الرجوع إلى قادة دينيين هؤلاء لم يطبقوا ما أمرهم الله به., نحن نتساءل فنقول: هل رأيتم أو قرأتم أن نصرانياً قتل نصرانياً؟ وفي دار العبادة في الكنيسة؟ هل رأيتم أو قرأتم أو سمعتم أن يهودياً قتل يهودياً في الكنيست؟ ولكننا نرى ونسمع ونُشاهد أن مسلماً يقتل مسلماً ويقول: الآن عانقت رسول الله!, تُعانق رسول الله لأنك قتلت أحد أتباع رسول الله؟! كيف هذا المنطق؟! من غذى هذا؟ هذا غذاه التُجار؟ هل غذاه الأطباء والمهندسون؟, إنما غذوه بهذه الثقافة العوجاء هم رِجال الدين!, رجال الدين قالوا له غن قتلت مسلماً على غير مذهبك فسوف تُعانق رسول الله!, بغياً بينهم!, (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) (العلق:1), القراءة والعلم باسم الله, إذا خرجت القراءة والعلم عن الله أصبحت بغياً وأصبحت تدل على التفكك وعلى الإختلاف بين الأمة, فكم من دمٍ أُريق بين المسلمين؟! أليس هذا يُرضي اليهود؟ أليس اليوم اليهود في أمنٍ وأمان وراحة؟, فلقد علوا وسادة نومهم لأنهم استطاعوا أن يُحدثوا الفُرقة والتقتيل والفتك بين المسلمين أنفسهم, انتهت قضية الدفاع عن فلسطين و وأخجلتاه من هذه الأرض!, اليوم الناس لا تُفكر, لو فتحت سابقاً المذياع ماذا تسمع فيه؟
, لو فتحت الإذاعة لوجدت إستنجاد الناس, استنهاض الناس على الجهاد, على الدفاع " وما إلى ذلك من الأشعار المهيجة للمسلمين بأن تكون لديهم الحمية في الدفاع عن أرضٍ اغتصبت من الجغرافية الإسلامية والمسلمون أجمعوا على أن شبراً لو أُغتصب من أرض المسلمين لوجب على كل المسلمين الدفاع حتى استرجاع ذلك الشِبر, أين نحن؟ من الذي جوز لهؤلاء المتحمسين بضلالٍ شديد أن يقتلوا المسلمين وأن يهتكوا أعراضهم وأن يذبحوهم ذبح الشاة؟!, وهذه أرض المسلمين تشهد والنصارى علينا يضحكون واليهود علينا يستهزئون, أين الإسلام الذي يأمر بالائتلاف إن دُعاة الإسلام كانوا يقولون أن القرن الجديد _الحادي والعشرين بالتاريخ الرومي_ إنه قرن الإسلام, سينتصر الإسلام, هذا تفاؤلٌ لا محل له لان هذا القرن جاء وهو يحمل فكرة التقتيل للمسلمين بأيديهم, ليكتفي الكفار عن قتل المسلمين, لقد ذهب عصرٌ على البلشفية والشيوعية أن قتلت من المسلمين الملايين ولقد ذكر إحصاء ذلك الداعية الكبير الشيخ محمد الغزالي في كتابه (المد الأحمر) يقول كذا من الملايين قتلوا بيد الشيوعيين وكذلك بيد غيرهم من النصارى الصليبيين أنما الآن فالكفار في راحة فلقد وقع بأسهم بينهم _بين المسلمين_, كل ذلك من الدعاة الذين يحفزون الناس على الإجرام باسم الإسلام والإسلام منهم براء